الإمام الحسين السبط قربان الأمة المحمدية

انطلق الإمام الحسين(عليه السلام) الى البشرية عبر قنواته الإنسانية مبينا ما يتوجب من حق الله وحق رسوله وحق خليفته الشرعي، فكشف عن واقع الحس الإسلامي والجو الإيماني الذي ينبغي أن يعيشه المسلم في عقيدته وأخلاقه. اذ ليس الجهاد وحده الذي رفعه ليوقظ الناس وإنما عظمة الأفعال المعلولة من رحمة الإسلام أو عنفوان السيرة التي خلقت من أصحابه نماذج مثالية في التضحية . واسطورة استشهادهم جاءت من أروع ملامح التاريخ حيث ارخصوا للحسين(عليه السلام) النفوس في معركة الطف.

فمن ولائهم الحقيقي ارتبط الموقف وارتبطوا به، وقلما يكفي الارتباط العاطفي وحده ليتعلم منه المرء كيف يجمع نبضات قلبه مع ملكات عقله ليكون وفيا في عطائه، كحجم التضحية التي بذلها عابس وبقدر الفداء الذي بذله جون وحبيب ومسلم وزهير ورفاقهم، وما كانت لتأخذ قصصهم في حب الحسين هذا البعد المأساوي هذا القدر من الحزن ما لم تكن ثورة الحسين(عليه السلام) ثورة الفكر والعقيدة والإنسانية مستمدة من الإسلام الناصع.
نهضة الوعي والضمير الحي:
إذن أراد الإمام(عليه السلام) أن يعيد إلى الأذهان البواعث الدينية والمفاهيم الاجتماعية ومبادئ القرآن وسنة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وفي الوقت نفسه رام أن يفضح أساليب الجور والفساد التي انتهجها يزيد ومن قبله معاوية ومروان وبني أمية وكل من حكم من بني العباس وغيرهم من اللاحقين، فترك بصماته عبر الدهور وترك انطباعا إلى الآن أن حركته ليست حركة اللحظة، بل حركة الوعي والضمير والعودة إلى واقع الإسلام الأصيل، متيقنا ان من واجبه عدم السير في العتمة أو في نطاق ضيق، يرى الحرمات تنتهك في الدولة ويسييء حاكم المسلمين الى النوع الإنساني والإسلامي ويسكت! وهو ركن الرسالة من أهل البيت(عليهم السلام) الذين أمر الله تعالى بحبهم وطاعتهم.
نهضة الاصلاح الكلي:
نعم، المسؤولية دعته(عليه السلام) الى أن يأخذ على عاتقه الإصلاح الكلي في المجتمع ؛ وقد جسد ذلك حين وقف جريحا وحيدا وسط المعركة بين أعدائه في كربلاء، كعملاق شامخ ينادي وقد قتل جميع ولده وأهل بيته وأصحابه: “هل من ذاب عن حرم رسول الله صلى الله عليه واله، هل من مُوحّد يخاف الله فينا، هل من مغيث يرجو الله في أغاثتنا.”(مقتل الإمام الحسين 1/582).
فمن وراء صرخته ، أراد ان يفسح المجال ويعطي فرصة ليتوب الجيش المقابل ويرجع من فظاعة الجرم الذي ارتكبوه ، وهو يكرر بكاءه ويقول: “يدخلون النار بسببي.”
وهذه مقوله الأولياء والأنبياء فرسول الله(صلى الله عليه وآله) قال حين أمعن القوم في إيذائه: “اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون”.
فكم أمهلهم الحسين(عليه السلام) وتأخر عنهم، وإلا فإشارة منه تكفي لهلاكهم، ومن الأدلة على ذلك يكفي أن نذكرابن حوزة حينما دعا عليه سيد الشهداء(عليه السلام)، فتعلقت رجله بركاب الفرس وجالت به تضرب كل حجر ومدر الى أن مات.
نهضة لفضح الفجّار:
فمن خلال رفضه الديني والسياسي ، اعلم الأمة أن يزيد بن معاوية نكرة البشر وأنه لا يستحق أن يكون خليفة للمسلمين ، لهذا نهض وقال (عليه السلام) لما بلغ مسامعه تولي يزيد الفاسق خلافة الأمة بعد هلاك معاوية :”على الإسلام السلام اذ قد بليت الأمة بداع مثل يزيد.” (معالم المدرسيتين: 3/302).
فمن أبعاد النهضة الحسينية إذن ، إنارة الطريق للأجيال ولمستقبلهم، وإسقاط شعارات اللؤم المناوئة للفكر الإسلامي، فمن دم الحسين(عليه السلام) علم الناس حرمة تغيير عقائد االأمة الى عقائد هجينة لا إسلامية.
فمعاوية الباغي ويزيد الطاغي اسسا لواقعة كربلاء الأليمة، وأشاعوا بين أهل الشام أن عليا لا يصلي ويشرب الخمر، وسنّا سب وشتم الولي أمير المؤمنين(عليه السلام) ولعن القربى الطاهرة للرسول والبراءة منهم ومن يحبهم قرنا من الزمان مع كل اذان يوميا.. وكم كتب معاوية الى عماله ان لا تتركوا شتم علي والترحم على عثمان.(الطبري في حوادث سنة 50: 2/38) وإن الذمة بريئة ممن يردي شيئا من فضل ابي تراب وأهل بيته(شرح النهج لأبي الحديد: 3/595).
فمن كل هذا ، كتب الإمام(عليه السلام) إلى معاوية: (وأرديت جيلا من الناس خدعتهم بغيك والقيتهم في موج بحرك تغشاهم الظلمات وتتلاطم بهم الشبهات)(شرح النهج لأبي الحديد: 576).
فيزيد وأبوه و باسم القربة الى الله ، ألصقوا بعداً سيئا بالإسلام حتى قال الإمام(عليه السلام): “فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا عليه اظهروه)(شرح النهج: 536).
فالإمام الحسين(عليه السلام) نظر إلى هؤلاء الذين أعلنوا الحرب عليه وعلى أبيه وأخيه وأمعنوا في تغيير السنة والمفاهيم والأحكام الشرعية على أنهم أعداء الإسلام، لا يتورعون عن فعل أي شيء يبتدع في الدين أو يضعون صيغا معدلة تكون مدعاة للتشكيك والتضليل أو تنال من مقام أهل البيت(عليهم السلام) وتنفير الناس عنهم، فإنهم حاربوا الدولة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين(عليه السلام) أكثر مما حاربها الأكاسرة والروم، ونقموا نقمة حقيقية على الإسلام وأشعلوا نار فتنة لم ينطفأ أوارها الى الآن، فظهر من ظهر ليكفّر ويفجّر ويسوق الأذى الى المسلمين حقدا وتعصبا.
ومن قلب هذا الصخب والجحود ينطلق عنوان دم الحسين(عليه السلام) لتبقى الرسالة الإسلامية تتجدد بتجدد المصاب كل عام، بذكراها الأليمة منارا لكل أحرار الدني، يتنسمون من عبير دمه الطاهر عودة الدين نقيا صحيحا معافىً من ابتداع يزيد وتطرف المنافقين والشجرة الخبيثة من أمثال معاوية ومروان وابن العاص ومن لفّ لفهم وسار على نهجهم الى يوم الدين .

الاقسام: أهم الاخبار,المحلية,اهل البيت عليهم السلام,ثقافة دينية