الاقتباس

هوَ أن يُضمّنَ المتكلِّم منثورَه، أو منظومَه، شيئاً من القرآنِ، أو الحديثِ، على وجهٍ لا يُشعِرُ فيه بأنَّه منهُما، والغرضُ مِنْ هَذَا التضمينِ أنْ يسْتعِيرَ مِن قوَّتها قوةً، وأنْ يكشِفَ عَن مهارتِهِ فِي إِحكامِ الصِّلةِ بَينَ كلامِهِ والكلامِ الَّذي أخَذَهُ، ويجوزُ للمُقْتَبسِ أنْ يُغَيِّرَ قليلاً فِي الآثارِ الَّتي يقْتَبِسُها.

ومِنَ الأمثلةِ عَلَى الاقتباسِ مَا جَاءَ فِي خطبةِ الزّهراءِ عليها السلام: “… حتى تفَرَّى الليلُ عن صبحه1 وأسفرَ الحقُّ عن مَحْضِهِ، ونطقَ زعيم الدين، وخرستْ شقاشقُ الشياطين2 وطاح وَشِيظُ النِّفاق3 وانحلّتْ عُقَدُ الكفر والشِّقَاق، وفُهْتُمْ بكلمةِ الإخلاص4 في نَفَرٍ من البِيْضِ الخِمَاص5 وكنتم على شَفَا حُفرة من النار، مذْقَةَ الشارب6 ونهْزَةَ الطامع7 وقَبْسَة العَجْلَان، ومَوْطِئ الأقدام8 تشربونَ الطَّرق9 وتقتاتون القِدَّ10 أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله – تبارك وتعالى – بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد أنُ منِيَ بِبُهْمِ11 الرجال وذُؤْبَانِ العرب، ومَرَدَةِ أهل الكتاب، كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نَجَم قَرْنُ الشيطان12 أو فَغَرَت فاغِرَةٌ من المشركين13 قَذَفَ أخاه في لَهَوَاتِهَا14 فلا ينكفئُ حتى يَطَأ جناحَهَا بأخْمَصِه15 ويُخْمَدَ لَهَبَهَا بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيّداً في أولياء الله، مشمّراً ناصحاً، مُجِدّاً، كادحاً، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، وأنتم في رفاهيةٍ من العيش، وَادِعُون16 فاكهون17 آمنون، تتربّصونَ بنا الدوائر18 وتتوكَّفُونَ الأخبار19 وتَنْكصُون عند النزال، وتَفِرُّونَ من القتال، فلمّا اختار الله لنبيه دارَ أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حَسَكَةُ النِّفَاقِ20 وسَملَ جِلْبابُ الدين21، ونطقَ كاظمُ الغاوين22، ونَبَغَ خاملُ الأَقَلِّينَ23، وهَدَرَ فنيق المُبْطِلِينَ24، فخطر في عرصاتكم25، وأَطْلَعَ الشيطانُ رأسَهُ من مغرزة هاتفاً بكم26، فألفاكم لدعوتِهِ مُستجيبينَ، وللعزّة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خِفَافاً، وأَحْشَمَكُمْ فألفاكم غِضَابا27، فَوَسْمُتم غيرَ إِبِلِكُمْ28 وَوَرَدْتُمْ غير مَشْرَبِكُم29. هذا، والعهد قريب والكلم رحيب30، والجرح لمّا يَنْدَمِلْ31 والرسولُ لمّا يُقْبَرِ، ابتداراً، زعمتم خوف الفتنة، أَلَا في الفتنة سقطوا، وإن جهنّم لمحيطةٌ بالكافرين، فهيهات منكم، وكيف بكم، وأَنَّى تُؤْفَكُون، وكتابُ الله بين أَظْهُرِكُمْ، أمورُهُ ظاهرة، وأحكامُهُ زاهرَةْ، وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة، وقد خَلَّفْتُمُوهُ وراء ظهوركم، أَرَغْبَةً عنه تُرِيْدُون؟ أم بغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلاً، ومن يبتغِ غيرَ الإسلامِ ديناً، فلن يُقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين”.

ومن أمثلةِ الاقتباسِ فِي الشِّعرِ – وهِيَ كثيرةٌ – قولَ الشَّاعِرِ32 فِي مدحِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم:33
لا كَـانَ فُـؤَادٌ لَـيْـسَ يَهِـيْـ ـمُ عَــلَى ذِكْــرَاكَ وَيـَنْـزَعِــجُ
لَا أَعْتِبُ قَلْبَ الغَافِلِ عَنْـ ـكَ فَـ “لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجُ”

* كتاب البلاغة الميسّرة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1– تَفَرَّى الليل عن صبحه: أي انشق حتى ظهر وجه الصباح.
2- شقاشق الشياطين: الشقاشق: جمع شقشقة بالكسر وهي: شئ كالربة يخرجها البعير من فيه إذا هاج.
3- طاح: هلك. والوشيظ السفلة والرذل من الناس.
4- كلمة الإخلاص: كلمة التوحيد.
5- البيض الخماص: المراد بهم أهل البيت عليهم السلام.
6- مذقة الشارب: شربته.
7- نهزة الطامع: بالضم – الفرصة أي محل نهزته.
8- قبسة العجلان: مثل في الاستعجال. وموطئ الأقدام: مثل مشهور في المغلوبية والمذلة.
9- الطرق: بالفتح ماء السماء الذي تبول به الإبل وتبعر.
10- القد: بكسر القاف وتشديد الدال – سير بقد من جلد غير مدبوغ.
11- بهم الرجال: شجعانهم.
12- نجم: ظهر، وقرن الشيطان أمته وتابعوه.
13- فغرفاه: أي فتحه، والفاغرة من المشركين: الطائفة منهم.
14- قذف: رمى، واللهوات بالتحريك: – جمع لهات -: وهي اللحمة في أقصى شفة الفم.
15- ينكفئ: يرجع، والأخمص ما لا يصيب الأرض من باطن القدم.
16- وادعون: ساكنون.
17- فاكهون: ناعمون.
18- الدوائر: صروف الزمان أي كنتم تنظرون نزول البلايا علينا.
19- تتوكفون: تتوقعون أخبار المصائب والفتن النازلة بنا.
20- حسكة النفاق عداوته.
21- وسمل جلباب الدين: سمل صار خلقا، والجلباب الإزار.
22- الكظوم: السكوت.
23- الخامل: من خفي ذكره وكان ساقطا لا نباهة له.
24- الهدير: ترديد البعير صوته في حنجرته، والفنيق: الفحل المكرم من الإبل الذي لا يركب ولا يهان.
25- خطر البعير بذنبه إذا رفعه مرة بعد مرة وضرب به فخذيه.
26- مغرزه: أي ما يختفى فيه تشبيها له بالقنفذ فإنه يطلع رأسه بعد زوال الخوف.
27- أي حملكم على الغضب فوجدكم مغضبين لغضبه.
28- الوسم أثر الكي، تُعَلّمُ به الإبل.
29- الورود: الحضور إلى الماء للشرب.
30- الكلم بالضم: الجرح، الرحب بالضم: السعة.
31- أي لم يصلح بعد.
32- محمد بن علي بن محمد بن عربي أَبوبكر الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بمحي الدين بن عربي، 560 – 640 هـ / 1164 – 1242 م فيلسوف من أئمة المتكلمين في كل علم، ولد في مرسية بالأندلس وانتقل إلى إشبيلية، وقام برحلة فزار الشام وبلاد الروم والعراق والحجاز، وأنكر عليه أهل الديار المصريه (شَطَحات) صدرت عنه، فعمل بعضهم على إِراقة دمه، وحُبس فسعى في خلاصه عليّ بن فتح اليحيائي واستقرّ في دمشق ومات فيها. يقول الذهبي عنه: قدوة القائلين بوحدة الوجود. له نحو أربعمائة كتاب ورسالة منها: (الفتوحات المكية) في التصوف وعلم النفس، عشر مجلدات، (محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار) في الأدب، (ديوان شعر) أكثره في التصوف، و(فصوص الحكم) وغيرها الكثير الكثير.
33- ومن لطيف الاقتباس ما كتب الفاضل مُلّا مهدي المعروف بالنّرَاقِيّ (صاحب كتاب جامع السعادات) إلى العلامة آل بحر العلوم:
ألا قل لسكان أرض الغريِّ هنيئا لكم في الجنان الخلودِ
أفيضوا علينا من الماء فيضاً فنحن عطاشى وأنتم وُرُود
فأجابه العلامة:
ألا قل لمولىً يرى من بعيدِ ديارُ الحبيب بعين الشهودِ
لك الفضلُ من غائب شاهدٍ على حاضر غائبٍ بالصُّدُودِ
فنحنُ على الماءِ نشكو الظَّما وفُزْتُمْ على بُعْدِكُمْ بالوُرُودِ

الاقسام: دروس منوعة,دروس ودراسات

الاوسمه: ,,